بيانات
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ صدق الله العليّ العظيم.
تمرّ علينا الذكرى الرابعة لشهادة المرجع الديني آية الله العظمى السيّد محمّد محمّدصادق الصدر؟رح؟، وبلدنا العراق العزيز يفتتن بمحنة كبيرة وهي فتنة الحرب الأمريكيّة الوشيكة بحجّة إسقاط نظام صدّام.
والهدف الحقيقي هو إعادة الاستعمار السافر للعراق بدلاً عن الاستعمار المقنّع حيث أصبح واضحاً لدى الغرب أنّ إدامة الاستعمار المقنّع في العراق لمدّة طويلة غير ممكن لأنّ تزايد الوعي والإيمان لدى العراقيّين يفشّل كلّ مؤامرة من هذا القبيل ويؤدّي ذلك بالنهاية إلى انفجار شعبي يعجز حتّى صدّام عن تطويقه فرآى الاستكبار العالمي ضرورة تدارك أمره في إبقاء السيطرة على العراق بإعادة الاستعمار الصريح والمباشر إمّا بتعيين حاكم عسكري أمريكي أو بتعيين حكومة علمانيّة مواليّة لها تحت حماية الجيش الأمريكي الذي سيمكث في العراق إلى أمد غير معلوم ورغم علمنا بأنّ هذه الحرب التي ستشنّها أمريكا على العراق ستتعدى مخاطرها إلى جميع المنطقة الإسلاميّة، لا نشكّ في أنّ خطرها الوشيك والأكيد على بلدنا الحبيب يتمثّل في أُمور ثلاثة:
أوّلاً: احتمال امتداد نيرانها إلى المدنيّين وإلى البنية التحتيّة العراقيّة التي هي ملك للشعب العراقي، وقد يذهب الشعب ضحيّة نارين: نار صدّام حسين الذي يتوجّس خيفة من ثورة الناس ورفضهم لنظامه الدكتاتوري، ونار الطائرات الأمريكيّة التي ستقذف بحممها على العراق فتقتل الأبرياء إمّا كما يقولون بطريق الخطأ، أو بطريق العمد إذا ما استشعرت أمريكا الخطر الشعبي على مشروعها منهم، وفي كلتا الحالتين فإنّ أهلنا في العراق يوشك أن يدهمهم خطر عظيم، أسأل الله أن يقيهم شرّه ومكروهه.
ثانياً: خطر إقامة نظام سياسي بديل عن نظام صدّام علماني وليبرالي تجعله أمريكا بيد عملائها من أعوان ومجرمي النظام البعثي العراقي، وقد تشرك معهم وجوهاً من العراقيّين العلمانيّين بالشكل الذي لا يغيّر من طبيعة وأهداف النظام الجديد الذي تريده أمريكا للعراق وفي ذلك مخاطر عديدة ومصادرات عديدة:
وأُولى هذه المخاطر تتمثّل بعودة مجرمي النظام الصدّامي إلى واجهة الحكم من جديد لكي يمارسوا قمعاً جديداً وبثوب جديد ضدّ أبناء شعبنا الأبيّ المجاهد.
وفي حالة أفضل نسبيّاً قد يُوتى بحكّام لم يُعرَفوا بأيّ إخلاص أو فداء في سبيل الشعب العراقي المؤمن بل تمحّضوا العلمنة والتبعيّة للغرب ولأمريكا خصوصاً، وبذلك تحصل أكبر كارثة في العراق وهي كارثة مصادرة جهود وإخلاص وتضحيات الإسلاميّين الذين كان لهم شرف السبق في مقارعة نظام حزب البعث بقيادة المرجع الشهيد آية الله العظمى السيّد محمّدباقر الصدر؟رح؟، فكانوا يخوضون غمار مواجهة وحرب غير متكافئة مع نظام صدّام منذ أكثر من ثلاثين سنة، وقد حقّق القائد الإسلامي الصدر الكبير أكبر وأوسع معارضة استوعبت الشارع العراقي برمّته وأخافت نظام حزب البعث نفسه خوفاً شديداً حتّى أنّهم عقدوا مؤتمراً حزبيّاً واسعاً أسموه بالمؤتمر القطري التاسع _ في حزيران عام 1982 _ كرّسوه لدراسة ما أسموه بالظاهرة الدينيّة فاتّخذوا فيه جملة قرارات للقضاء على هذه الظاهرة الإسلاميّة المعارضة، ومنذ ذلك الحين وإلى الآن ترى حرب النظام سافرة ووحشيّة ضدّ أبناء شعبنا وقد راح ضحيّتها مئات الأُلوف من خيرة شباب ومؤمني العراق بل راح ضحيّتها الصدر الكبير نفسه مع أُخته العلويّة بنت الهُدى «تغمّدهما الله برحمته» وعشرات العلماء الأعلام وفي مقدّمتهم آية الله العظمى السيّد محمّد محمّدصادق الصدر؟رح؟، ذلك بعد مضيّ عقدين من الزمن تقريباً على شهادة الصدر الكبير، ممّا يؤكّد أنّ نهضة الصدرين وما بينهما من الزمن وما بعدهما هي التي تمثّل حقيقة ومحتوى مطاليب وآمال الشعب العراقي، وهي المعارضة الحقيقيّة التي استهدفت منذ انفجاراتها الأُولى إسقاط نظام حكم حزب البعث العراقي وعلى رأسه صدّام المجرم.
إنّ خطر مصادرة جهود الإسلاميّين يشكّل أحد أهداف أمريكا في العراق.
وما السماح لصدّام بقمع وإجهاض انتفاضة شعبان عام 1412ھ _ 1991م من قبل القوّات الأمريكيّة إلّا دليلاً واضحاً على ما نقول.
فتخطيط أمريكا يجري الآن على قدم وساق لعزل الإسلاميّين العراقيّين عن إدارة وحكم بلدهم وتحجيم دورهم ومحاصرتهم لكي لا يشكّلوا عقبة أمام علمنة الدولة العراقيّة القادمة، وكذلك أمام علمنة الشارع العراقي المسلم والموالي للمرجعيّة الدينيّة.
وأيضاً إنّ أمريكا تهدف للسيطرة على نفط العراق واستثماره لأهدافها الإجرامية ومنها تقوية الكيان الصهيوني وإنقاذه من ورطة التهلكة الواقع فيها في الوقت الحاضر.
ثالثاً: مصادرة الوعي الإسلامي والالتزام الإسلامي من الشارع العراقي بعد إسقاط نظام صدّام وإقامة النظام السياسي العلماني الموالي لأمريكا، ومن خلال خطط معدّة سلفاً وبوسائل إعلاميّة وثقافيّة وتربويّة يقحمون المجتمع العراقي فيها تحت طائلة وعنوان الحرّيّات الديمقراطيّة والمدينة، مدعومة بخلق حالة من الرفاه الاقتصادي والحياتي للناس الذين ذاقوا الأمرّين طيلة سنوات الحصار على العراق، الأمر الذي قد يؤدّي إلى انسياق الناس خلف بهرجات وزيف الوضع الجديد فيقعون فريسة لوحوش جديدة ولمؤامرات جديدة.
فضلاً من أنّ أمريكا حينما تحتلّ العراق سوف تصطحب معها فسقها ومجونها وخمورها وخلاعتها فتؤدّي بذلك إلى التمييع الخُلقي للشباب والنساء والأطفال والعوائل، وزعزعة النظام الأخلاقي للشعب العراقي المسلم وتفتيت تماسكه المعهود، وعليه فيحتاج الشعب العراقي وطلائعه المؤمنة من أبناء الإسلام والحركة الإسلاميّة ومن أبناء الصدرين القائدين الشهيدين إلى وعي هذه المؤامرة واتّخاذ الإجراءات المناسبة حيالها لإحباطها إن أمكن، أو لمحاصرتها وإجهاض مشروعها، أو تجميده بقدر الإمكان لدرء المخاطر عن الشعب العراقي عموماً وعن الشيعة خصوصاً؛ لأنّهم كانوا حطباً لنيران الأنظمة السياسيّة المتعاقبة على العراق فليس من المعقول ولا من المقبول أن يستمرّوا حطباً لكلّ نار موقدة من خارج العراق وبأيدي عملاء من أمثال صدّام أو بدائله الذين قد يحكمون العراق.
وليس من الصحيح مصادرة جهودهم وتضحياتهم وآلامهم وآمالهم وتراثهم الضخم من النضال والعطاء الفكري والاجتماعي الذي غمروا فيه العراق، وليس من المنطقي استبعادهم عن أخذ حقوقهم كاملة غير منقوصة، أو إشراكهم مع من لا ناقة لهم ولا جمل _ كما يقول المثل _ في تحديد مستقبل النظام السياسي القادم وعلى قاعدة المساواة وتحت عنوان المعارضة العراقيّة والتي أكثرها وجودات مفتعلة.
وعلى هذا الأساس أودّ إلفات نظر شعبي العراقي الأبيّ والمجاهد بكافّة شرائحه وطبقاته وقوميّاته عرباً وأكراداً وتركماناً، سنّة وشيعة إلى الأُمور التالية:
1 _ الحذر من الاشتراك في الحرب لصالح أمريكا أو لصالح صدّام فإنّ ذلك من أعظم المحرّمات.
2 _ يجب على المؤمنين العراقيّين بكافّة فصائلهم السياسيّة الحضور في أوساط الناس والجماهير بعد سقوط نظام صدّام المجرم، وملء مناطق الفراغ لتوجيه الناس وقيادتهم باتّجاه المحافظة على أمنهم وسلامتهم، ولتوعيتهم؛ كي يدركوا حجم المؤامرة من جهة ويدركوا ضرورة أن تكون لهم وبأيديهم المبادرة للضغط على الحكومة الجديدة، لأخذ جميع الحقوق سياسيّة كانت أو ثقافيّة أو اجتماعيّة أو اقتصاديّة من جهة أُخرى، مادامت الحكومة الجديدة لا تحارب المؤمنين.
وتجدر الإشارة في هذا المضمار إلى أنّه يجب على التيّار الإسلامي العراقي أن يسعى وبقيادة العلماء المجاهدين لحمل راية الإسلام من ناحية، والإهتمام بتحقيق الحقوق الإسلاميّة للشعب العراقي عموماً وللشيعة خصوصاً من ناحية أُخرى، وإنّ هذا لهو سعي حميد ومحمود ويندرج في الهدف الإسلامي العام وما نُريده لحاضر العراق ومستقبله وفقاً لمتطلّبات الظروف العصيبة الراهنة، فأسأل الله تعالى أن يوفّق المؤمنين لذلك.
3 _ على علماء الإسلام من العراق وطلبة العلوم الدينيّة في الداخل والخارج المسارعة للسيطرة على المساجد والمراكز الدينيّة في المحافظات والأقضيّة والنواحي العراقيّة وإرسال المبلّغين إلى العشائر العراقيّة الغيورة، والشروع بتوجيه الناس من خلال المحاضرات وخطب صلوات الجمعة لتعبئة الجماهير المسلمة باتّجاه وحدتها وتماسكها، وتوعيتها لخطورة المرحلة وما تستحقه من وقفة حازمة لأخذ حقوق المسلمين شيعة وسنّة، ولكي لا تعاد الكرّة على المسلمين فتسلب منهم الحقوق ويوضعون في دوّامة محنة جديدة لا يعلم مداها وتأثيراتها السيّئة إلّا الله.
4 _ يجب على الإسلاميّين العراقيّين كافّة وخصوصاً أتباع ومريدي الشهيدين الصدرين العظيمين توحيد كلمتهم ورصّ صفوفهم ونبذ الخلافات فيما بينهم لمواجهة الحالة الجديدة المتوقّعة في العراق حتّى يكونوا بمستوى المسؤوليّة الإسلاميّة وتحدّياتها الخطيرة عليهم أوّلاً، وعلى شعبهم ثانياً، وعلى الدين الإسلامي والثقافة الإسلاميّة ثالثاً.
5 _ ويجب على المسلمين العراقيّين كافّة وبالخصوص طلائعهم الواعية تحصين المجتمع العراقي من عوامل الهدم والفساد والتخريب، والعمل الجادّ _ حال سقوط نظام صدّام _ على تأسيس المدارس العلميّة والصحف الإسلاميّة وكافّة وسائل التثقيف والإعلام وإنشاء التنظيمات الاجتماعيّة والثقافيّة لاستيعاب الشرائح الاجتماعيّة المختلفة من طبقات المجتمع العراقي بغية حفظهم من عوامل الفساد وتحصينهم ضدّ الانحرافات الفكريّة والسلوكيّة وجعلهم أبناء بررة للإسلام وللشهيدين الصدرين العظيمين، ولكي تحفظ الحيويّة الإسلاميّة لشعبنا في العراق وتكون هي الحصن الواقي من جميع الانحرافات وهي الأساس الذي يقوم عليه حكم الإسلام في عراق المقدّسات عاجلاً أم آجلاً والله وليّ التوفيق.
﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ صدق الله العليّ العظيم
30 / شوّال / 1423 ھ
كاظم الحسينيّ الحائريّ

